السيد الطباطبائي
351
تفسير الميزان
تعالى جهات الحاجة والنقص التي تلازم هذه الصفات بحسب وجودها في مصاديقها . فالعلم في الانسان مثلا إحاطة حضورية بالمعلوم من طريق انتزاع الصورة وأخذها بقوى بدنية من الخارج والذي يليق بساحته أصل معنى الإحاطة الحضورية ، وأما كونه من طريق أخذ الصورة المحوج إلى وجود المعلوم في الخارج قبلا وإلى آلات بدنية مادية مثلا فهو من النقص الذي يجب تنزيهه تعالى منه ، وبالجملة نثبت له أصل المعنى الثبوتي ونسلب عنه خصوصية المصداق المؤدية إلى النقص والحاجة . ثم لما كنا نفينا عنه كل نقص وحاجة . ومن النقص أن يكون الشئ محدودا بحد منتهيا بوجوده إلى نهاية فإن الشئ لا يحد نفسه وإنما يحده غيره الذي يقهره بضرب الحد والنهاية له ، ولذلك نفينا عنه كل حد ونهاية فليس سبحانه محدودا في ذاته بشئ ولا في صفاته بشئ وقد قال تعالى : " وهو الواحد القهار " الرعد : 16 فله الوحدة التي تقهر كل شئ من قبله فتحيط به . ومن هنا قضينا أن صفاته تعالى عين ذاته ، وكل صفة عين الصفة الأخرى ، فلا تمايز إلا بحسب المفهوم ، ولو كان علمه غير قدرته مثلا ، وكل منهما غير ذاته كما فينا معاشر الانسان مثلا لكان كل منها يحد الآخر والآخر ينتهي إليه فكان محدود وحد ومتناه ونهاية فكان تركيب وفقر إلى حاد يحدها غيره ، تعالى عن ذلك وتقدس ، وهذه صفة أحديته تعالى لا ينقسم من جهة من الجهات ، ولا يتكثر في خارج ولا في ذهن . ومما تقدم يظهر فساد قول من قال : إن معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفي رعاية لتنزيهه عن صفات خلقه فمعنى العلم والقدرة والحياة هناك عدم الجهل والعجز والموت ، وكذا في سائر الصفات العليا ، وذلك لاستلزامه نفي جميع صفات الكمال عنه تعالى ، وقد عرفت أن سلوكنا الفطري يدفع ذلك ، وظواهر الآيات الكريمة تنافيه ، ونظيره القول بكون صفاته زائدة على ذاته أو نفي الصفات وإثبات آثارها وغير ذلك مما قيل في الصفات فكل ذلك مدفوعة بما تقدم من كيفية سلوكنا الفطري ، ولتفصيل البحث عن بطلانها محل آخر . 3 - الانقسامات التي لها : يظهر مما قدمناه من كيفية السلوك الفطري أن من صفات الله سبحانه ما يفيد معنى ثبوتيا كالعلم والحياة وهي المشتملة على معنى الكمال ،